أحمد بن محمد ابن عربشاه

47

فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء

أفكاره . فلمحت أخاها باكيا مطرقا عانيا قد أيس من نفسه وتيقن الإقامة بحبسه ؛ لأنه يعلم أنها لا تترك زوجها وابنها ، ولا تختاره عليهما ، ولا تميل إلا إليهما ، فأفكرت طويلا واستعملت الرأي الصائب دليلا ، ثم أداها الفكر الدقيق وأرشدها التوفيق ، وقالت : أختار أخي الشقيق . فبلغ الضحاك ما كان من أمرها ، واختيارها لأخيها بفكرها ، فدعاها وسألها عن سبب اختيارها أخاها ، وقال : إن أتت بجواب صواب وهبتها إياهم مع زيادة الثواب ، وإن لم تأت بفائدة قاطعة وعائدة في الجواب نافعة ، كانت في قتلهم الرابعة . فقالت : اعلم واسلم أنى ذكرت زوجي وطيب عشرته ، وأوقات معانقته ولذته ، وما مضى معه من حسن العيش وانقضى من خفة الأحلام والطيش ، فملت إليه وعوّلت في الطلب عليه . ثم أبصرت ابني فتذكرت مقامه في بطني وما مضى عليه من عاطفة ، وشفقة عامة في الأيام السالفة فهيمنى حبه القديم وشكله القويم ، فملت إلى اختياره وخلاصه من بواره . ثم لمحت أخي المتقدم عليهما فقست مقامه بالنظر إليهما ، فقلت إني امرأة مرغوبة ، قينة « 1 » ، عاقلة مطلوبة ، إن راح زوجي فعنه بدل ، وإن حصل الزوج وجد الولد وحصل فتهيأ الغرض ، ووجد عنهما العوض . وأما الأخ الشقيق فما عنه عوض في التحقيق ؛ لأن أبوينا ماتا وفاتا ، وصارا تحت الأرض رفاتا ؛ فهذا الذي أدى إليه افتكارى ووقع عليه اختياري ، وأنشده لسان القال فيما قال ، شعر : وكم أبصرت من حسن ولكن * عليك من الورى وقع اختياري قال : فاستحسن الضحاك هذا الكلام ، ووهبها جماعتها مع زيادة الإنعام . قال الحكيم : وإنما أوردت هذا المثل لمولانا الملك الأجل ، وعرضته على الحضّار ومسامع النظار ؛ ليعلم أن لي عن كل شيء بدلا ، وأما عن مولانا السلطان فلا ، كما قال من أجاد في المقال :

--> ( 1 ) امرأة ذات صوت جميل وقيّنة ، قلما تطلق على الحرائر .